صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

96

تفسير القرآن الكريم

إنّما العقاب أمر يتعقب على فعل الخطيئات وهو من اللوازم والتبعات التي يتأدى إليه اقتراف السيئات ، وبالحقيقة النفوس العمّالة في الدنيا هي بعينها حمّالة حطب نيرانها يوم الآخرة « رب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا » بل نفس الشهوة هاهنا يتصور بصورة النار المضرمة هناك . وقد أفصح اللّه تعالى عن هذا المعنى في قوله : سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ 7 / 180 ] وقوله : فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا [ 16 / 34 ] وقوله : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ 18 / 29 ] وقوله : ( إنما هي أعمالكم ترد إليكم ) « 1 » . ولهذا عقّب هذه الآية بقوله سبحانه : [ سورة السجدة ( 32 ) : آية 14 ] فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 14 ) فجعل ذوق العذاب نتيجة فعلهم من نسيان أمر المعاد وقلّة التأمل فيه وترك الاستعداد لها . « والنسيان » خلاف « التذكر » ونسبته إليه تعالى إما من باب صنعة المشاكلة ، كما في قوله سبحانه وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ 42 / 40 ] والمعنى : أن انهماككم في الشهوات أغفلكم وأنساكم عن معرفة اللّه وعلم المعاد ، فنسيناكم أي جازيناكم جزاء نسيانكم . وإما لأن علمه تعالى بالممكنات لما كان ناشيا عن علمه تعالى بذاته الذي هو عين إيجاده لها ، ويكون علمه بها تذكرا لها لأنه علمها أولا في مرتبة ذاتها علما كماليا اجماليا . ثم علما في مرتبة متأخرة ، هي عين وجوداتها علما ثانيا ، وعدم هذا العلم بشيء الذي هو النسيان ، عبارة عن عدم إيجاده إياها عدما ناشيا عن عدم

--> ( 1 ) في مسلم : ( 26 / 133 ) إنما هي أعمالكم أحصيها لكم .